الإعلام العراقي وهيمنة رأس المال

الصفحة الرئيسية > أفكار > الإعلام العراقي وهيمنة رأس المال...

الإعلام العراقي وهيمنة رأس المال

 

محمد علي

تلعب وسائل الإعلام دوراً مهماً في مسيرة الدول وحياة الشعوب، حيث تساهم بنشر أكبر قدر ممكن من المعلومات بين الناس وتزويدهم بمصادر العلم والفكر والمعرفة مع قدرتها الفائقة على ترسيخ القيم والمبادئ السامية التي تساعد على رقي المجتمع وبث الوعي والتنوير فيه.

هذا فضلاً عن، دورها في نقل الخبر والحدث لكل أنحاء العالم، وبذا تكون مصدرا من مصادر التوجيه والتثقيف في أي مجتمع وصاحبة تأثير كبير في الجمهور المتباين فكريا واجتماعيا.

لقد أصبح الإعلام الوسيلة الأهم لإحداث التغيير في المجتمع ونشر الثقافة في أوساطه، بل لا نبالغ إذا قلنا بأنه بات أحد العناصر الرئيسية في تشكيل ملامح المجتمعات وأصبح له دور رئيسي في التأثير المباشر المتزايد على حياة الأفراد بشكل يسهم في تغيير قناعاتهم من خلال طريقة تغطيته لحدث ما، ونتيجة لهذا الدور الكبير الذي يضطلع به الإعلام أطلق عليه وعلى الصحافة خصوصا ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر بالسلطة الرابعة.

إن الدور المحوري والأهمية المتزايدة لوسائل الإعلام في حياة الأفراد وقدرتها على تشكيل الرأي العام وتوجيهه نتج عنها محاولات توظيفه سياسياً من قبل قيادات الدول، ويعود تاريخ أولى تلك المحاولات لنهاية القرن السادس قبل الميلاد على يد السفسطائيين الإغريق والذين سعوا لاستخدام الإعلام للتأثير على الرأي العام والعمل على تثقيفه سياسيا ليساهم في حدوث التغيير المطلوب، وقد أخذ هذا المفهوم بالتطور تدريجيا حيث شهد العالم ابتداءً من الثورة الصناعية في أوربا تطورات سياسية كبيرة دفعت بالحكومات للجوء لمختلف الوسائل الإعلامية من أجل تحقيق غاياتها وأهدافها فظهر الإعلام السياسي الذي يهتم بالقضايا السياسية ويقوم بأحداث التأثير والتغيير في الآراء و الأفكار والقناعات لدى الجمهور ويساهم في عملية صنع القرار السياسي.

غير أن أول ظهور للإعلام السياسي كمجال مستقل كان عام 1956 في كتاب "السلوك السياسي" والذي ناقش تبادل التأثير السياسي بين الحكومة والمواطن، ونتيجة لدورها الكبير في تسويق الأفكار وترويج الآراء مثلت وسائل الإعلام الوسيلة المناسبة للأنظمة الشمولية تحديدا لتعمل هي الأخرى على توظيفها من خلال وضع يدها المباشرة على الجهاز الإعلامي وتسخيره في سبيل تحقيق مصالح النظام وترويج مبادئه ونشر أيديولوجياته ليكون الإعلام بذلك موجها ومكبلا ولا يعبر إلا عن تطلعات النخبة الحاكمة وهو ما كان حال الإعلام العراقي عليه قبل العام 2003 والذي عانى من غياب الحرية وبالتالي افتقاده للمصداقية اللازمة.

وبعد سقوط النظام السابق دخل المال السياسي كعامل مهم في صناعة الإعلام وتمكن رجال الأعمال المسيسين (من المرتبطين بأجهزة المخابرات ولدى بعضهم صلات واضحة مع مجاميع مسلحة) من تأسيس فضائيات واستغلالها على النحو الذي يخدم أغراض سياسية وأيديولوجية معينة فتحولت تلك القنوات لأدوات لنشر التضليل وبث الفرقة بين المواطنين نتيجة غياب معايير النزاهة والموضوعية والتوازن في طرح الخبر حاجبة أثر التعددية الإيجابي على الإعلام العراقي بعد كسره لطوق الأحادية المفروض عليه منذ عقود. 

لم يتمكن الإعلام العراقي بعد العام 2003 من الموازنة بين حرية الإعلام وتحمل مسؤولياته الأخلاقية، فتحول لساحة صراع بين الأفكار والأجندات السياسية، مبتعدا عن الموضوعية بشكل كبير ومانحا الأولوية للمصالح الفئوية التي يمثلها رأس المال المؤسس والداعم والذي يعد في الغالب أحد نتائج الفساد المالي وهو ما أدى لترسيخ العلاقة بين الإعلام ورأس المال بشكل أضر برسالة الإعلام السامية، محولا إياها من ناقل للخبر إلى صانع له كنقطة الانطلاق فقط لعملية الشحن والتحريض الممنهج والذي يدفع عادة نحو المزيد من الاضطرابات داخل البلاد.

ولا يمكننا أن ننسى هنا الدور المحوري للإعلام المصري الخاص والمملوك لرجال الأعمال في الدفع بروح التذمر و تعزيز الانقسام الداخلي وتعبئة الشعب ضد حكم الإخوان المسلمين وهو ما أثمر في النهاية عن إطاحة الجيش بحكم الرئيس محمد مرسي في 30 يونيو عام 2013، كما أن سيطرة رأس المال على المؤسسات الإعلامية قد فتح الباب واسعا لدخولها والتحكم بها من كوادر حزبية ومسيسة لا كفاءة لها ولا خبرة وهو ما أفقد الخطاب الإعلامي لهذه المؤسسات موضوعيته وأبعد عنه صبغته الوطنية متخذا لونا الطائفية ذا طابع تحريضي، في حين بقيت حالات الاستثناء القليلة عن هذه القاعدة دون تأثير ملحوظ!. 

ونتيجة لهذا الصراع السياسي والأيدلوجي وحتى الطائفي في شاشات القنوات الفضائية تغيب الحقيقة عن المتلقي وتجعله أشبه بالتائه في وسط زحام المبالغة والتهويل والتحريض وهو ما يسهل على القوى المتطرفة والمتشددة جذبه نحوها.

ولعل من المثير للسخرية حقاً، أن العراق يملك مجموعة كبيرة من القنوات الفضائية لم تستطع واحدة منها إيصال رسالته للجمهور العربي نتيجة انعدام التخطيط الحكومي والعشوائية والتخبط الملازمين لخط سير الدولة العراقية الجديدة من جهة وتناقض أهداف القنوات الفضائية العراقية وتنافر توجهاتها "إن صح التعبير" والتغييب المتعمد لقيم ومعايير الإعلام الموضوعي من جهة أخرى.

إن العراق يحتاح إلى منظومة إعلامية تتسم بالشفافية والمصداقية والموضوعية ناهيك عن المهنية ووجود مثل هذا التوجه الإعلامي سيسهم حتما في تشكيل رأي عام ميال للتسامح ومندفع نحو التصالح وذلك لإخراج البلاد من ورطتها الحالية، من دون إغفال أن الحكومة مطالبة بدورها بإجراءات لوقف أو تقليص سيطرة رأس المال السياسي على وسائل الإعلام من خلال وضع قواعد تنظيم ملكية وسائل الإعلام والعمل على كسر احتكار رجال الأعمال للإعلام الخاص ولنا أن نستفيد من التجربة الفرنسية والتي منعت على الفرد الواحد امتلاك نسبة أكثر من 10 في المئة من رأس مال أي وسيلة إعلامية، وكذلك العمل على تشديد الرقابة على مصادر تمويل القنوات وإلزام القنوات بميثاق شرف إعلامي تصان فيه حرية الإعلام وحقوق الإنسان والمهنية وتحري الحقيقة ونقلها بصدق وأمانة من دون تجاهل أو اجتزاء، وتبني خطاب متسامح وتصالحي ونبذ الطائفية والتحريض وعدم ترويج ثقافة الكراهية وتقديم المبررات للإرهاب وعدم نشر أي مادة إعلامية بهذا الإطار.

أخيرا وليس أخراً، العمل على دعم الإعلام الرسمي في أطار السعي لتحقيق المصلحة الوطنية العامة في مواجهة الإعلام الخاص والتابع لرجال الأعمال والأحزاب والداعم لمصالح فئوية ضيقة كانت ولا تزال سبباً مباشراً في ما نحن عليه اليوم. 

  • بيت الاعلام العراقي

    العنف الاسري.. تغطيات سطحية تركز على رواية الحوادث متجاهلة الاستقصاء

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره الخمسون، تغطيات وسائل الاعلام العراقية مع قضية العنف الاسري في البلاد، وكيف تناولت الملفات المرتبطة به خلال الأشهر القليلة الماضية خصوصا مع فرض إجراءات العزل وحظر التجوال سبب تفشي وباء فيروس كورونا.

  • منير طبي

    وسائل الإعلام والعنف الأسري.. إشكالية الواقع والدور

    ركز الكثير من العلماء والدارسين حول وسائل الإعلام ومضامينها المختلفة، بعد ملاحظة ما تقوم به هذه المضامين من تأثيرات مختلفة الأشكال والمستويات، ومن بين أهم تلك المضامين نجد تلك التي تقدم أو تشجع أو تساهم في انتشار العنف بكل أشكاله المعنوية والمادية، وما قد تتركه مثل هذه المضامين الإعلامية من تأثيرات سلبية على مستوى الفهم والإدراك وحتى القيم والاتجاهات، على مختلف المراحل العمرية خاصة الأطفال والمراهقين.

  • منار عزالدين/ منتظر القيسي

    ناشطات وصحفيات: وسائل الإعلام غير منصفة في قضية "العنف الاسري" و"مواقع التواصل الاجتماعي" أكثر جرأة

    اجمعت ناشطات وصحفيات على ان التغطيات الإعلامية المحلية لقضايا العنف الاسري "غير منصفٍة"، لأسباب متربطة بتوجهات وسائل الاعلام الحزبية، واصفين اغلب نتاج وسائل الاعلام بـ "الضعيف واللا مهني"، مشيرين الى ان منصات التواصل الاجتماعي أكثر جرأة في طرح ظاهرة العنف الاسري والمشاكل الاجتماعية المرتبطة بها.

  • بيت الاعلام العراقي

    اعلام داعش 2020: الدخول في السجالات العامة لزرع الانقسام المجتمعي

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره التاسع والاربعون نشاط متنامي لتنظيم داعش في العراق مؤخرا، مترافقا مع عودة نشاطه المسلح في أجزاء من البلاد منذ مطلع نيسان الحالي 2020، اذ انتشرت العشرات من الحسابات في فيسبوك وتويتر الى جانب نتاجات مرئية للتنظيم.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية