الاعلام وتسييس العقل العربي

الصفحة الرئيسية > أفكار > الاعلام وتسييس العقل العربي

الاعلام وتسييس العقل العربي

 

عمار السواد

قبل التسعينات انقسم الاعلام الناطق باللغة العربية الى قنوات وصحف واذاعات داخلية تخضع لتوجهات الأنظمة، وإذاعات غربية باللغة العربية -BBC ومونت كارلو-، وصحف ممولة من السعودية -الشرق الاوسط ـ الحياة-.

الاذاعات الغربية مثلت قنوات ثقة بديلة عن إعلام السلطة الذي لم يتغير منذ ان تأسست أول محطة اذاعية وقناة تلفزيونية عربية. واذكر أن كبار السن، كانوا يتابعون في الإذاعات المحلية ساعات الاغاني او برامج التسلية، وفي اذاعتي "لندن" و"مونت كارلو"، نشرات الاخبار. وبموازاة القسمين التقليديين، اعتمدت السياسة السعودية على تأسيس وسائل اعلام لا تلعب دور اعلام تقليدي للسلطة، بل تمثل أحد وجوهها، تحظى بثقة لا بأس بها وفي الوقت نفسه تلعب دورها في المعارك الاقليمية التي تخوضها السعودية. هي وسائل اكثر ذكاء من اعلام السلطة التقليدي. فبعد تجربة صوت العرب التي جعلها جمال عبد الناصر كصوت لمشروعه القومي، كانت السعودية القوة الرئيسية المتحكمة بالإعلام. سواء الاعلام بصيغته العربية العابرة للحدود، في تجربة صحيفتي الحياة والشرق الاوسط، او بالتحكم بمفاصل بعض التجارب الاعلامية مثل الاعلام اللبناني ذي الصبغة المختلفة عن المعروفة في البلدان المجاورة.

وفي 1994 حصل تطور في الدور السعودي مع وسائل الاعلام. فحين رفضت وزارة الخارجية البريطانية تمويل BBC" العربي" لاطلاق قناة تلفزيونية، حصلت على تمويل من شركة اوربت السعودية شريطة الحفاظ على الحرية التحريرية، لكن هذه الحرية تعرضت لانتكاسة حين بثت القناة برنامجا عن حقوق الانسان في السعودية، ما حدا بالسلطة الضغط على القناة، وسحبت الشركة تمويلها، وانهارت التجربة.

وهنا بدأ تحول كبير في الاعلام العربي. وقف وراءه ممول آخر، قادر على منافسة السعودية، وهو قطر. ومن العاملين بقناة BBC الملغية أسست الدوحة قناة الجزيرة، لتصبح أول وسيلة اعلام عابرة للحدود غير ممولة من السعودية منذ اذاعة صوت العرب. ويمكن القول ان الصراع الاعلامي العابر للحدود الوطنية في المنطقة، بدأ منذ تلك اللحظة. ظهور ممولين جدد غير خاضعين للتمويل التقليدي الذي وقفت خلفه السعودية لأكثر من عقدين، صنع تجاذباً اعلاميا غير تقليدي.

الجزيرة القطرية التي اقتربت من "التابو" السعودي مرارا منذ اطلاقها في 1996 بقيت متفردة، وباتت تشكل تهديدا فعليا لسيطرة السعودية على الاعلام العربي، ما اضطرها الى اطلاق قناة العربية في 2003. هنا بدأ تنافس سعودي قطري على الخبر، واللعب باتجاهات الرأي العام. العراق والقضية الفلسطينية والصراع اللبناني، في السنوات الاولى، مثلت الموضوعات الرئيسية للتنافس والنزاع بين الروايتين والرؤيتين؛ الجزيرة والعربية. وفي انتفاضات "الربيع" العربي، عدا سوريا، كانت أقوى حرب اعلامية بين رؤية قطرية موالية للاخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا، واخرى سعودية معارضة، بل ومعارضة لسقوط بعض الانظمة مثل مبارك وبن علي. والمفارقة أن الاعلام الغربي الناطق بالعربية انساق أيضا وراء الصراع، وبات جزءا من المعركة الاعلامية، ومرجح أن يكون هذا بسبب العاملين العرب الذين تحولوا الى مافيات نقلت التوجهات داخل المؤسسات.

في هذه المرحلة أيضا، شهد الاعلام العربي تطورا جديدا، مع دخول رؤية اعلامية اخرى عابرة للحدود، هي الرؤية المتماهية مع التصور الايراني الصراع الاقليمي. "الميادين" هنا مثلت الصوت الثالث، المنافس للتصورين، والغاضب على السعودية وقطر في آن واحد. وكانت ايران سعت سابقا عبر قناة "العالم" ان تقدم على مثل هذه الخطوة، غير أنها فشلت، لأن المحطة حملت الصبغة الشيعية الصرف. وعلى مستوى عالمي ظهرت قناة "روسيا اليوم" كضد موجه في قبالة الاعلام الغربي الناطق بالعربية الذي خرج عن ثوابت الاعلام السائدة في الغرب.

هذه التطورات منذ أواسط التسعينات أنهت عصر الاعلام التقليدي. إلا انها من جانب آخر خلقت نمطا آخر من اعلام السلطة، غير تقليدي، لكنه موجه سياسيا وبحسب المصالح الخاصة بالأنظمة الممولة. كما فرطت بفرصة إصلاح التصور العربي عن الاعلام، او خلق ثقافة بديلة تؤمن بالحرية الاعلامية. فنتائج ان تخضع وسائل الاعلام لحرب الأنظمة، فقدان الثقة بالحرية الاعلامية، لأن تعريفها تشوه بشكل كبير من قبل صناع الاعلام الجدد. حتى تلك اللمحات "الموثوق بها" في الاذاعات الغربية سابقا، لم يعد المتابع يجدها، بل يجد وسائل اعلام كلاً منها يقدم الحدث بحسب املاءات المصالح السياسية والعقائدية...

ففي عشرين سنة، اصبح الاعلام السلاح الذي تستخدمه دول بعينها في الحرب الاقليمية والنزاعات الدولية. إنه اعلام صناعة جنود للحرب. هذا كله كان على حساب صناعة الثقة. وسقوط الثقة يعني بالضرورة انتصار النزعة السياسية على النزعة الاعلامية، في حين كانت الفرصة سانحة لصناعة نزعة اعلامية، ولخلق جمهور ينبذ العين السياسية لأن لديه عين اصفى هي العين الاعلامية!

  • بيت الاعلام العراقي

    "كورونا" في الاعلام المحلي: اقحام السياسة.. وضعف التغطيات المتخصصة

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره السابع والاربعون التغطيات الاعلامية المحلية لوباء "كورونا" وكيفية تعاطي وسائل الاعلام المختلفة مع الوباء، في وقت تتصاعد المخاوف المحلية من انتشاره وسط احصاءات مقلقة حول نسبة الاصابات الى الوفيات.

  • سلام عمر 

    سلام عمر 

    نصائح لزملائنا الصحفيين في زمن كورونا

  • حسين داود

    حسين داود

    "كورونا" وأزمة الاعلام العراقي!

  • أسباب كثيرة تجعل من الصحافة الصحية ركيزة أساسيّة في الإعلام الرائد

    لم أكن أفكّر بأنني سأصبح صحفيًا صحيًا. حتى اليوم، لا أعتقد أنني كذلك، ولكن بعد أكثر من 16 عامًا من الخبرة، لدي احترام جديد لأولئك النساء والرجال الذين يغطّون القضايا الصحية، أدركت أيضًا أنه وبعكس ما يعتقد كثيرون، فإنّ هذه الوظيفة تتطلب المهارة والالتزام فقط لإتقان الأساسيات.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية