الدعاية السوداء حين تكون هذراً عراقياً

الصفحة الرئيسية > أفكار > الدعاية السوداء حين تكون هذراً...

الدعاية السوداء حين تكون هذراً عراقياً

 

علي السراي

في الأربعينات انشأت الولايات المتحدة الاميركية إدارة عليا لمعلومات الحرب تتحكم بشكل مباشر بالدعاية المحلية والخارجية لتحقيق ثلاثة أهداف، خلال فترة الحرب: جمع المعلومات، صناعة "الدعاية السوداء"، وصياغة افتراضات محكمة عن الخصم.

كانت دول المحور تنشغل، فضلاً عن خططها العسكرية، بابتكار دعايتها السوداء كجزءٍ من ترسانتها الحربية الفعالة خلال الحرب العالمية، لقد عُرفت تلك الدعاية بأنها، الاستثمار الممنهج والمتواصل لمختلف وسائل الرأي العام للتأثير على آراء ومشاعر وسلوكيات "العدو" بطريقة تُسهل الوصول للأهداف.

كان هذا الفن "الشاذ" من الإنتاج الإعلامي يتطلب نوعا خاصا من الصحافيين، غالبيتهم جاءوا من مكاتب حزبية، بعقائد ونمط تفكير محدد، وبقدرات مقننة في الكتابة الصحفية، حتى يخيل لك أنهم من دون صحافة "الحرب النفسية" سيتقاعدون، أو ينتهون إلى "محللي معلومات عسكرية" في دوائر الأمن.

لكن، ثمة محترفون صنعوا "دعاية سوداء" لا يمكن تجاوزها بوصفها واحدة من تجارب الحرب النفسية الناجحة في العالم.

هذا النمط من الدعاية و"الإعلام"، يخرج من اشتباك الصحافة بالأمن الوطني، يأتي من التباس المحرر والمخبر، ومن تجانس غير منطقي بين حرية بث المعلومات، والأكاذيب. وعلى أي حال، فإن على صحافيي الحرب النفسية أن يكونوا بارعين في جعل الحقائق تحت الطاولة، وكتابة الكذب في قالب محكم شديد المتانة لجهة أنها "حقائق" لا يمكن دحضها.

في العراق، الذي يقاتل "داعش" ويخسر المال والبشر بقائمة تكاليف باهظة، لم يقرر أحد ان يشكل مؤسسة لمعلومات الحرب، ولا إدارتها وتقنين بثها ونشر ما يخدم الحرب.

لقد تُركت الدعاية السوداء في الحرب داخل العراق لخزينة تصرف الأموال على الاغاني والأهازيج ودراما، تريد من الجمهور ان يسخر ويضحك على عدوه. لقد ظل الجمهور، في النهاية، بلا معلومات، ولا حتى دعاية سوداء.

المؤسسات الحكومية المعنية بملف تنظيم "داعش"، تشاهد المعلومات تركض أمامها وهي تتفرج، وأحياناً تستمتع بدهشة المعرفة من "مانشيت" صحيفة صغيرة. لم توفر تلك المؤسسات جهداً لجمع المعلومات وتحليلها وصناعة رأي عام يخدم "الحرب". في الحقيقة، ما من جهة حكومية مسؤولة عن إعلام الحرب والدعاية المضادة.

لكن، ثمة أجهزة رسمية وشبه رسمية تقوم بمثل هذا الجهد، لكنها مسخرة منذ عام ٢٠٠٣، لرصد الخصوم السياسيين وصناعة "دعاية سوداء" ضدهم. كان الأمر يماثل من حيث الشكل الفكرة الاميركية عن الدعاية السوداء لكنها، هنا، اُستهلكت لحروب لا يكترث لها أحد. 

لقد مرت على العراقيين دعاية سوداء في حروب سياسية، لقد سمعوا عن سياسي مصاب بالزهايمر، وعن آخر طرده زعيمه من مأدبة غداء على شرف اعلان انتخابي، وآخر يشتري بدلاته من باريس، وعن زعماء متحرشين جنسيا.

هل تتذكرون دعايتنا العراقية السوداء؟ كانت تبرع كلما حل التنافس الانتخابي. لقد كانت دعاية سوداء يكتبها "مقاتلون" في معارك "الدومينو" العراقي.

أخيرا، قيل لنا، إن الصحافة اليوم عليها ان تلعب هذا الدور، وتتكفل بصناعة الحرب النفسية ضد "داعش"، والحصيلة عشرات الاشرطة عن مقاتل اسمه "ابو عزرائيل"، وأخبار تبدأ بعنوان يدعو إلى تسوية المدن، حتى نتخلص من تنظيم "داعش".

الدعاية السوداء، بهذه النمط العراقي الفج، ليست كذبا حتى. ولم تكن ابداً ادارةً محترفةً للمعلومات، ولا رأيا عاماً مضاداً، لانها ببساطة لا تجمع المعلومات لتشتغل عليها، بل تفترضها في سياق غير مقنع، وخيالي حد السخرية.

دعايتنا السوداء، وهي تجترح نفسها من عقلية إعلامية بدائية، تهمل المعلومات وتتركها في الدرج، ولا تسمح مع كل هذا أن يشتغل احدٌ صحافة حقيقية.

في هذه المواجهة الحاسمة، نحن أمام حرب نفسية مضحكة، وصحافة مثل كيس كبير فارغ، لن تعثر يدك في داخله على شيء يستحق.

 

  • بيت الاعلام العراقي

    "فيسبوك وتويتر" يتفوقان على وسائل الاعلام في تغطية التظاهرات العراقية

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقرير الرابع والاربعون كيف ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تغطية تظاهرات اكتوبر في العراق، وتفوّقت على وسائل الاعلام التقليدية في كثير من الجوانب، وكيف اصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مصدرا لا غنى عنه لوسائل الاعلام التقليدية في تغطياتها اليومية للتظاهرات، وكذلك كيف تطورت صحافة المواطن في البلاد بشكل سريع ولافت.

  • دروس من تجارب 3 غرف أخبار بإشراك الجمهور والتحديات على الإنترنت

    فيما تتابع التكنولوجيا تطورها بشكل سريع وتزداد الضغوط السياسية على الصحفيين الذين يتابعون الأخبار في جميع أنحاء العالم، لم تستطع المنصات الإلكترونية توفير صلة مستدامة بين غرف الأخبار والمتابعين.

  • بيت الاعلام العراقي

    صحفيون لـ "بيت الاعلام العراقي": مهنتنا اصبحت محفوفة بالتحديات بسبب تحجيم حرية التعبير

    اجمع صحفيون عراقيون استطلع ارائهم "بيت الاعلام العراقي" ان العمل الصحفي في البلاد يمر في اصعب اوقاته منذ سنوات، مشيرين الى ان حجب الانترنيت وتهديد وسائل اعلام وصحفيين اضاف تحديات جديدة الى عملهم، كما اثر على معيشتهم بعد تراجع نتاجهم وبالالي تخفيض مرتباتهم واجورهم، ولفتوا الى ان قطع الانترنيت وحجم مواقع التواصل في عصر التقدم التكنلوجي هي معركة خاسرة لأي سلطة تتخذ مثل هذه الاجراءات.

  • بيت الاعلام العراقي

    محمد الزيدي: قطع الانترنيت لا دستوري.. ونحتاج لثورة تشريعات تضمن حرية التعبير

    يؤكد الصحافي محمد الزيدي ان قطع الانترنيت خلال التظاهرات التي شهدها العراق، مخالفة دستورية واضحة، ويجب مسائلة من ارتكبها، لافتا الى وقوع الاعلام بين الجهوية الحزبية والاعلام الحكومي جعل العديد من وسائل الاعلام تغطي التظاهرات بشكل خجول

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية