السلام في لقطة

الصفحة الرئيسية > أفكار > السلام في لقطة

السلام في لقطة

 

علي السراي

لو أنَّ رجلاً عادياً في هذه البلاد حمل سلاحه ووقف مسترخياً، كأنه يلقي تحيةً عابرة، ليُطلق رصاصة صغيرة في رأس رجل عادي آخر، فإن الرجلين، القاتل والضحية، كانا قبل ذلك مجرد فكرة في نشرة أخبار تلفزيونية، أو برنامج من رأس الساعة إلى رأسها.

لو أن عائلةً “عادية” لديها بيتٌ عادي، هاجمها مسلحون ينتمون إلى عائلة من ملة “عادية”، أو معادية بالفطرة، ولم يخرجوا قبل أن يقضوا على آخر الأنفاس، فإن مراسلين ومقدمي برامج ومصورين وضيوف، كانوا قبل ذلك بأيام، وربما ساعات، قد فتحوا فوهة عريضة تضخ الكلام فكرةً مبسطة تقول للناس، بشكل عادي، إن الكراهية، والقتل، خلاصة عصر ما بعد التلفزيون. 

أخيراً نعرف أن الرصاصة تمر، قبل حشو البنادق، بترددات الأقمار الصناعية.

الأمر غير العادي، أن يركض المصورون إلى موقع الحادث، يتلقطون ما يكفي لدقيقة ونصف الدقيقة تقريراً عن القاتل والقتيل، بلغة فخمة وقارئ يتلفز الحزن والغضب.. لا بأس بلقطة من ثانيتين للأسفلت المغسول بأثر الضحايا، مع لقطة خاطفة لأغلفة الرصاص وفي عمق الصورة أحذية رجال الشرطة تقفز فوق القصة، بينما على الشاشة خبير يبذل الجمل الشاحبة ذاتها متسائلاً، كيف تمكن القاتل من القتل؟ وكيف وصلت الضحية لهذا المستوى من نقص الحماية.

لقد خرج القاتل من شاشة “عادية”، وانتهى إليها. إن الأمر لا يكلف سوى جهاز إرسال.

في التلفزيون، عرفت أن نشرة الأخبار تتركب على وفق أولويات ومعايير محددة، لكن الهاجس الذي يسيطر على هذا التركيب هو استعداد منتجيها للحديث للجمهور عن الموت، دائما. 

كانت نشرة الأخبار تجهز تماماً، فيجدها المذيع كلمات تتحرك ببطء على شاشة القراءة الخاصة به، وبعد دقائق من البث المباشر تنفجر مفخخة في بغداد، فنتلاطم ما بين الطاولات والحواسيب لاستعجال “عاجل” الموت.

نحن، الصحفيون، اكتشفنا مع الوقت إن شهية الحديث عن الموت صارت “عادة”، ومن ثم أدخلناها في السياق الحقيقي لصناعة التلفزيون. كل شيء يأتي بعد الموت، حتى لو كان تقريراً تلفزيونياً عن إنشاء حديقة في بغداد.

الحق، إنني الآن لو فكرت ألف مرة قبل أن أُجهز نشرة أخبار لن أقتنع تماماً بوضع خبر عن مقتل العشرات في ختامها، ولن أدفع بجملة قصيرة في الشاشة يقرأها الناس: “عاجل.. الوضع الأمني في العراق”.

نحن، الصحفيون، الأشخاص الذين جعلنا الحياة تبدو للناس حجيماً. فبينما نثرثر عن الموت بعد كل تفجير، كان الناس “العاديون” يغسلون الشوارع من الموت، وينثرون خطواتهم وبضاعتهم، وينتشرون سريعاً في المقاهي والمطاعم. 

نحن الصحفيون، المصدر الحقيقي الذي ألهم الناس بأفكار شاحبة عن الحياة.

لكن ما في اليد حيلة، فحقيقة تأثير التلفزيون في العراق تحمل الكثير من التناقضات. لقد تبجحنا بالخيارات الوفيرة - وفيرة فوق العادة - للمشاهدة التلفزيونية. ووجد الجميع ضالته في صورة وصوت يمثلانه، ويقدمان لغة تحاكي الثقافة المكبوتة. إن التحول من قناة واحدة باسم “تلفزيون العراق العام”، إلى كل هذا التنوع كان علامةً صحية على حياة سياسية واجتماعية تسمح للجميع بالتعرف علي أدوات التعايش، أو في الأقل التعرف على ما لا نعرفه عن بعضنا. في الحقيقة إن وجود التلفزيون أمر حاسم من حياتنا المعاصرة.

هذا الافتراض “الديمقراطي” كان ينقصه الكثير من الفهم لتأثير التلفزيون، وكان من البداهة أن نخوض السنوات الأولى في التعلم، لكن التعلم من دون تأسيس سيصبح لاحقاً مثل السم في العسل.

ما الحاسم في علاقة العراقيين بالتلفزيون؟ فجأة تحولت الفرص التقليدية لتوظيف أفكار الناس وهوياتهم عبر صورة متحركة إلى بنادق شاركت في الحرب الأهلية في بغداد، وكان الناس يصمتون أمام التلفزيون، يحصلون على “تربية” قاتلة. 

إن العنف الذي رباه التلفزيون في عقول ملايين المشاهدين، كان لأن الأغلبية تحكمت بالبث الفضائي، وصارت الأقلية التي تشاهد عشرات المحطات تعيش بالضرورة حالة التلقي أيام تلفزيون “العراق العام”، وكان في متناولها خيارات ضئيلة: الصمت، أو الانصهار في صوت الأغلبية، وجعله منبراً بديلاً.

لقد تمددت الأغلبية التي تملك المال والشاشة والسلاح. ولا أحد، لا أحد على الإطلاق، يجاري تلك القوة.

إن نصاً تلفزيونياً عادياً، يبث في ساعة الذروة، يتلقاه مشاهدون عاديون، يتحدث عن طائفة ما، ليس بوصفها جماعة لها وجود في الرقعة الجغرافية، وأن لها خصائص ثقافية واجتماعية ما، بل يجري التعريف بها عبر مخاوفها من طائفة أخرى. يمكنك الآن تحويل القناة إلى نص تلفزيوني عادي آخر، يرد بالطريقة ذاتها. 

إن الجمهور الصامت، الخاضع لقوة التلفزيون، لا يمكنه الحوار بشكل حي إلا باستعارة طريقة التلفزيون: نحن نعيش مع الخوف من الآخر.

ليست المشكلة، أبداً، في ١٠٠٠ محطة فضائية تشغل الأثير العراقي، وتستقطب ملايين الناس، لكن مادة العنف والكراهية التي جهزها منتجو البث ومسيّروه لعقول الناس، لم تمر بشاشة محترفة، يقف عندها “حارس بوابة” يعرف كيف يضع السلام في لقطة. 

 

 

  • بيت الاعلام العراقي

    العنف الاسري.. تغطيات سطحية تركز على رواية الحوادث متجاهلة الاستقصاء

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره الخمسون، تغطيات وسائل الاعلام العراقية مع قضية العنف الاسري في البلاد، وكيف تناولت الملفات المرتبطة به خلال الأشهر القليلة الماضية خصوصا مع فرض إجراءات العزل وحظر التجوال سبب تفشي وباء فيروس كورونا.

  • منير طبي

    وسائل الإعلام والعنف الأسري.. إشكالية الواقع والدور

    ركز الكثير من العلماء والدارسين حول وسائل الإعلام ومضامينها المختلفة، بعد ملاحظة ما تقوم به هذه المضامين من تأثيرات مختلفة الأشكال والمستويات، ومن بين أهم تلك المضامين نجد تلك التي تقدم أو تشجع أو تساهم في انتشار العنف بكل أشكاله المعنوية والمادية، وما قد تتركه مثل هذه المضامين الإعلامية من تأثيرات سلبية على مستوى الفهم والإدراك وحتى القيم والاتجاهات، على مختلف المراحل العمرية خاصة الأطفال والمراهقين.

  • منار عزالدين/ منتظر القيسي

    ناشطات وصحفيات: وسائل الإعلام غير منصفة في قضية "العنف الاسري" و"مواقع التواصل الاجتماعي" أكثر جرأة

    اجمعت ناشطات وصحفيات على ان التغطيات الإعلامية المحلية لقضايا العنف الاسري "غير منصفٍة"، لأسباب متربطة بتوجهات وسائل الاعلام الحزبية، واصفين اغلب نتاج وسائل الاعلام بـ "الضعيف واللا مهني"، مشيرين الى ان منصات التواصل الاجتماعي أكثر جرأة في طرح ظاهرة العنف الاسري والمشاكل الاجتماعية المرتبطة بها.

  • بيت الاعلام العراقي

    اعلام داعش 2020: الدخول في السجالات العامة لزرع الانقسام المجتمعي

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره التاسع والاربعون نشاط متنامي لتنظيم داعش في العراق مؤخرا، مترافقا مع عودة نشاطه المسلح في أجزاء من البلاد منذ مطلع نيسان الحالي 2020، اذ انتشرت العشرات من الحسابات في فيسبوك وتويتر الى جانب نتاجات مرئية للتنظيم.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية