حين يعاقبنا الـ“فيس بوك”

الصفحة الرئيسية > أفكار > حين يعاقبنا الـ“فيس بوك”

حين يعاقبنا الـ“فيس بوك”

 

علي السراي

يمكنُ لصورةٍ فوتوغرافية عن جزئية صغيرة من عالمنا الواسع هذا، أن تكون شاملةً بالمطلق. الفضل يعود إلى “فيس بوك” في مداره العراقي.

جرّب أن تنشر لقطةً ما.. قطّعها، اختر زاوية فيها، تلاعب بضوئها وألوانها، وأطلقها في فضاء “التواصل الاجتماعي”، بعد أن تسطر كلمتين عن رأيك الذي تريده “موقفاً”، ومرر كلمة “صورية” عن زاوية محددة في اللقطة. انتظر حتى “يتواصل” معك كثيرون، يدوّنون أفكارهم.

راقب، الآن، كيف كبرت اللقطة وصغر العالم. بإمكانك، الآن، أن تنشر صورة لسيدةٍ في مكان عام، لا يعرفها أحد سواك، مع سطرٍ، أو تلميح، عن موقفك منها الذي لم يكن رأياً. انتظر هدر الكلمات.. دقق الآن كيف تحولت إلى لقطة لـ“جميع” النساء.

جرّب أن تقول عن زاوية اللقطة: هذه السيدة في طريقها إلى نادٍ ليلي! سيشارك موقفك، بالصورة والسرد ذاته، العشرات. سيكتبون الكثير لجعله أكثر سعة وشمولاً. انتظر كيف يسحق التواصل “الجمعي” الصوت النشاز الذي قرر مخالفتك.

ثم لن تصبر كثيراً حتى يستسلم المختلف لك، لأنه لا يريد أن يضطر لمواجهة الضغط، وسيفضل أن يجاريك. ومن إدمان المجاراة سيكون المختلف، أخيراً، أكثر دفاعاً منك عن موقفك.

ستمضي الصورة بموقفها إلى حصانة أكبر كما كرة الثلج. انتبه الآن سترى لقطتك “الصغيرة” وتلميحك عنها كيف صارت “مقدسةً”.

جرّب، أن تغرد سؤالاً: ما رأيكم في من يصف الحشد الشعبي بالميليشيا؟ انتظر “التواصل”، ورويداً رويداً سيظهر لهذا الـ”من” اسماً ورسماً، وبعد حين سيشاركك العشرات منقبين عن أشخاص بعينهم، مكفرين منبوذين موضوعين على قائمة سحرية تصنف الناس وتعزلهم.

راقب الآن، كيف صارت التغريدة “فرماناً”. وفي النهاية، تتمثل تغريدتك قاعدةً للتجريم.

جرّب، أيضاً، أن تغرد بلغة أكثر “يقيناً”. أن تقول شيئاً وكأنك تمسك سراً ما، وقل: “الجيش العراقي ليس له وجود”. ضع صورة لبدلة جندي مرمية على الأرض، وثمة شخص يدوسها بقدميه. لا داعي لتنتظر؛ ساعات وسيكون الجيش “أسد سيرك”. وبالنسبة لألف تغريدة يومياً، فإن بلدك في عهدة السماء.

جرب أن تكتب فكرة، ستجد نفسك خاضعاً لسلطة “العقل الفيسبوكي”، إنه من دون أن تدري يغذيك بكلمات منتفخة لكنها متينة بسحر “الجماعة” المغردة، مرنة سهلة، لكنها لا تسمح للتأويل بصرامة “الإعجاب”. إنك في النهاية لا تفكر خارج الصندوق، لأن الفيس بوك في العراق ابتلع كل شيء.

***

لا تستطيع المقاومة. إنها أكثر فكرة ساحرة في عالم التواصل. لطالما كنت مهووساً في أن تعرض ما يدور في رأسك إلى الهواء، وأن تتلقى الصدى. لكنك، مهما صرت متاحاً لأن تُعرّف عن هويتك، ستخضع في النهاية لسلطة هائلة يصنعها عقل جمعي كلما اقتضى الأمر تدوين أسئلة كبرى عن حياتنا، في السياسة والدين، مشاعرنا الإنسانية المختلفة.

كلها ستبدو لك ساحة حرب تضج بالكلمات المسلحة. لقد تدرب “الفيس بوك” العراقي على صناعة الكروش اللغوية.. الفكرة، مهما كانت سطحية، يمكن لها أن تفتح ماسورة من مفردات العنف، وستجد في النهاية إن تدوين القتل والتكفير والعنصرية تمرين صوري للواقع، يكشف لك قدرة “الفيس بوك” في استخراج ميول الجمهور إلى تصفية الخلاف بالإقصاء.

اختبر قدرتك القصوى على معرفة الذين يمكنهم القتل “افتراضياً”، واكتب: إن فلاناً يستحق أن يقتل. انتظر، كم من سلاح يمده الجمهور إلى صفحتك، من دون أن تقلق بشأن المبرر. الفيس بوك يزدحم بأصوات عالية، تبدو لك مزدحمة، لكنها في الحقيقة متشابهة، كما لو أنك تشغل ألف قرص مدمج لأغنية واحدة.

جرّب، الآن، أن تغرد مدافعاً عن “حق” جماعة في أن يقيموا نشاطاً في مكان عام، قد يبدو ظاهرياً إنه مغاير لسياق جماعة أكبر ثقافياً.

انتظر، ولن يكون انتظارك طويلاً، حتى تضطر إلى أن تبرر اختلافك، وستجد نفسك “بريئاً” من الجماعة الصغيرة، وإنك من “السائد” في الجماعة الكبيرة. تجمع لغتك لتنكفأ، وتعود لتنتمي على مضض إلى سلطة واحدة يمثلها الجميع.

***

هل تفكر في أن “الفيس بوك” فضاءٌ واسعٌ؟ إنه، في نهاية يوم من التغريدات، يعاقبنا بالقمع.

إنه، مثل مغردٍ واحد، يحدد لك مسارك اليومي، ويجبرك أن تشارك قطيع الكلمات، من دون أن تخرج عن السياق. إياك أن تكتب عن الكهرباء، في يوم التغريد عن بنطلون العبادي في تركيا.

عليك أن تشارك الجميع نفخ الفكرة، ولا تنسى أن تتحاشى تذكير الجميع بالفقاعة بعد انفجارها. يعاقبنا الـ“فيس بوك” بأنه لا يسمح بالاستدراك، وحين تفعل ذلك ستتأخر  عن نفخ جديد، وصراخ لغوي  ينهدر على مدار الساعة.

تخيل بعد كل ذلك، كيف يتداول الناس الأخبار بعد أن تخرج من الفيس بوك. وجرب الآن، أن تكتشف قدرتك على اختبار سيل المعلومات من دون أن يقوم الـ“فيس بوك”، الذي في وعيك، بنفخها.

  • بيت الاعلام العراقي

    "كورونا" في الاعلام المحلي: اقحام السياسة.. وضعف التغطيات المتخصصة

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره السابع والاربعون التغطيات الاعلامية المحلية لوباء "كورونا" وكيفية تعاطي وسائل الاعلام المختلفة مع الوباء، في وقت تتصاعد المخاوف المحلية من انتشاره وسط احصاءات مقلقة حول نسبة الاصابات الى الوفيات.

  • سلام عمر 

    سلام عمر 

    نصائح لزملائنا الصحفيين في زمن كورونا

  • حسين داود

    حسين داود

    "كورونا" وأزمة الاعلام العراقي!

  • أسباب كثيرة تجعل من الصحافة الصحية ركيزة أساسيّة في الإعلام الرائد

    لم أكن أفكّر بأنني سأصبح صحفيًا صحيًا. حتى اليوم، لا أعتقد أنني كذلك، ولكن بعد أكثر من 16 عامًا من الخبرة، لدي احترام جديد لأولئك النساء والرجال الذين يغطّون القضايا الصحية، أدركت أيضًا أنه وبعكس ما يعتقد كثيرون، فإنّ هذه الوظيفة تتطلب المهارة والالتزام فقط لإتقان الأساسيات.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية