مواقع التواصل في زمن المثلية: سجالات لا تخلو من كراهية

الصفحة الرئيسية > أفكار > مواقع التواصل في زمن المثلية:...

مواقع التواصل في زمن المثلية: سجالات لا تخلو من كراهية

 

صهيب ايوب

 

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي الى مكان لهواة الإدانة. خبر تشريع زواج المثليين في الولايات المتحدة، وما حمله من ردود أفعال، استغله المستخدمون لتبادل الاتهامات بين بعضهم البعض، اما بالمثلية او الرجعية او "السكوت عن الحق"، وكل ذلك على ضوء موقفين متباينين: إما مناصرة القضية أو رفضها، أو أخذ مسافة منها.

لم يسلم أيضاً مَن وقف على الحياد متأملاً. فبات "التايم لاين" الخاص به مساحة لتدوين اعتراض عن الصمت في قضية مثل هذه، او افتراض رأي صاحبه، حتى لو لم يقله، فبات محسوماً وعلى الصفحة الشخصية ايضاً.

تحول كل من "فايسبوك" و"تويتر" الى جبهات مفتوحة ومعلنة، تصل الى حد التجريح والتطاول، فعاد "البلوك" والحذف من قائمة الاصدقاء، من الخيارات العائدة "على الموضة". وفي سؤال وجهته "المدن" لمستخدمين تعرضوا لإهانات، على ضوء مشاركة مقالات تؤيد القرار، اكد هؤلاء انهم حذفوا من حساباتهم اشخاصاً كثر، وبعضهم أقرباء لهم ورفاق سابقين في المدرسة، فقط لأن "نطاق النقاش والتعليق تجاوز الاعتراض على هذه النقطة، ليصل بالبعض الى التهكم والسخرية والاتهام بالمثلية".

ما حصل خلال اليومين السابقين يدفع للسؤال عن سقف ممارسة حق التعبير والرد عليه، وما الحدود المرسومة، حيث لا ضوابط معلنة في فضاء مواقع التواصل، التي يمكن عبرها تبادل الرأي والرأي الآخر؟

إذ تكرر مراراً وبشكل فظّ، اتهام الرفاق لبعضهم البعض، عبر مواقف حدثت معهم في مراحل سابقة، ربما في الطفولة احياناً، و"نبش" حوادث صغيرة، لا معنى لها وغير دالة، من باب السخرية والكيدية. فعبرّت بوستات كثيرة، والتعليقات عليها والردود، عن أحقاد شخصية، لا تخلو من تسخيف القيمة الفردية والحريات. وكأن قيمة "صداقة"، كما يفترض ان تكون اضافة "فايسبوك" (اضافة صديق)، ولو الافتراضية منها، تمحي صفة الاستخدام نفسها. وتحيل هذا الموقع الى اعتباره موقعاً يسمح بـ"الانتقام"، فتكون مثل هذه المناسبات والافكار الجدلية مساحة لإعلان الحرب وفرصة مؤاتية للتعبير عن مشاعر دفينة تجاه الاخرين. وربما، وهذا من باب التخيل، نشهد تطبيقاً مشابهاً لموقع "فايسبوك" حيث يمكن إضافة شخص بصفة "عدّو" بدلاً من طصديق"، أو ربما "كاره".

منذ أن غرّد الرئيس الأميركي باراك أوباما في "تويتر"، وبعدما كتب في "فايسبوك" معتبراً التشريع الجديد انتصاراً للحب، كاد العالم العربي يتفرّد في استخدام الموضوع كأنه المعنّي الأول بالقرار. وفي رصد لحركة البحث عن "زواج المثليين" على موقع "غوغل"، نشرت اذاعة "مونتي كارلو" في موقعها الالكتروني، خبراً يؤكد أن دول الشرق الاوسط كانت الاكثر بحثاً. فاحتلت الامارات المرتبة الاولى، وقطر المرتبة الثانية، ولبنان حل في المرتبة الثالثة، بفوارق بسيطة بينهما. فيما حلت اسرائيل والاردن في المركزين الرابع والخامس، وسلطنة عمان في المركز السادس.

واستند كثيرون ممن يؤيدون القرار، الى اعمال فنية عربية، سينمائية وفوتوغرافية، تدل إلى تداول "عادي" في الماضي للقُبلة بين جنسين مماثلين. وتشارك المئات صوراً التقطت في مناسبات عامة، تظهر فنانات عربيات وهن يحتضنّ بعضهن بطريقة شبه حميمة، او اخرى تظهرهن وهن يقبّلن بعضهن. وراح البعض الى كتابة تعليقات جادة حول ورود مثل هذه المشاهد في افلام عربية من "الزمن الجميلط، ووجود نصوص مكتوبة عن هذه العلاقات في التراث العربي والادب الحديث، او في اعمال فنية (منحوتات ولوحات رسم).

وفي هذه الدلائل حول تناول المثلية في الأعمال الفنية، جنح البعض الى اعتبار هذه الظاهرة بأنها "شاذة" ولا تخدم المجتمع، وهي تهدف الى "هدمه"، وهنا سأل احدهم، وما هو الهدم في عمل فني، امام تأييد هدم آثار تدمر او تحطيم تماثيل في العراق، التي تقوم بها "داعش"؟!

جاء اقتراح "فايسبوك" باستبدال الصورة الشخصية للمستخدم، عبر تزيينها بعلم "قوس قزح"، ليزيد من حدّة النقاش حول مشروعية القرار، وصولاً الى جدلية وجود مثليين (اصلاً) في مجتمعاتنا العربية، حيث كتب البعض، "ولماذا يجب ان يكون هناك مثليون، هؤلاء اول شيء يجب ان تفعله داعش بعد دخولها حرقهم". للمصادفة حصل هذا التعليق على اعجاب المئات، (وافتراض دخول داعش الى البلاد العربية بات وشيكاً في أذهان كثيرين).

واتُّهم ممثلون وإعلاميون عرب، غيرّوا "بروفايلاتهم" بأنهم مثليون او ثنائيو الجنس. وتناقلت وسائل اعلام الكترونية في خبر اول احياناً على مواقعها، صورهم وهم يناصرون القضية، وطرح بعضهم من باب التشكيك تساؤلات حول هويتهم الجنسية. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، فصارت المنتديات والمجموعات الاخبارية على تطبيق "واتس اب" ايضاً تفتعل هذه الاخبار من خلال هذه الصور. وبات اي "بوست" او "صورة" او مقال يشير الى تأييد واضعه للقرار، دلالة بالنسبة لكثيرين بالمثلية!

وفي مقلب آخر، كل من يعارض هذا القرار اتهم بـ"الرجعية". وأظهرت التعليقات الواردة عن نسب "أمية" في معرفة حقوق الانسان والقوانين المدنية، وجهلا دينياً في تفسير آيات قرآنية، والاسناد الى احاديث ضعيفة. حيث ارتكز كثيرون في نقاشهم على النص الديني في محاججة المؤيدين. وغابت أصوات عاقلة عن التعليق، لأن "الدخول في المعمعة" لن يؤدي الى شيء، كما كتب احدهم.

وبعد هذه الحرب التي لم تنتهِ ذيولها الافتراضية حتى الآن، يجوز السؤال عن جدية استخدام مواقع التواصل وقدرتها، رغم الحماية، وإبعاد أفراد كثر عن الصفحة الشخصية، عن التعبير بحرية عن الفرد كونه اولاً واخيراً هو من يملك هذه الصفحة وهو من يحق له إدارة محتواها وهي تمثله في النهاية. وايضاً تطرح هذه الاشكاليات، جدية القيام بدراسات اعلامية حول ما تحمله معاني هذه الحروب الصغيرة، افتراضياً، من دلائل مجتمعية وقيمية ونفسية، وربما على الاقل يمكن فهم ظاهرة "الكيدية" في "فايسبوك" على انها ظاهرة "تنمر" تتطور يوماً بعد يوم.

*عن صحيفة المدن الالكترونية

  • بيت الإعلام العراقي

     "الاقليات" في الاعلام العراقي.. تغطية سطحية تركز على المصائب

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره السادس والثلاثون التغطية الاعلامية لقضايا التنوع الاجتماعي والاقليات الدينية والقومية والعرقية في العراق على مدى 12 شهرا، في رصد هو الثاني الذي يقوم به "بيت الاعلام العراقي" حول الموضوع لاهميته البالغة في الوضع الراهن في البلاد.

  • أنماط تقييد وسائل الإعلام المعبرة عن الأقليات في المنطقة

    تمارس وسائل الإعلام دورين متناقضين فيما يخص قضايا الأقليات والقوميات، ففي الوقت الذي تحرص فيه إحدى هذه الأقليات أو القوميات على امتلاك وسائل إعلام خاصة بها تعبر عن رؤاها وسياساتها، تسعى الأجهزة الإعلامية التابعة للدولة إلى محاولة استيعابها أو فرض ضغوط شديدة عليها

  • خضر دوملي

    خضر دوملي

    الاعلام والنزاع الديني في العراق أدوار متبادلة والضحايا اقليات البلاد

  • رنا الخالد

    رنا الخالد

    الإعلام الدولي وقضايا الأقليات في الشرق الأوسط

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية