وسائل الإعلام ودورها في الحراك المدني

الصفحة الرئيسية > أفكار > وسائل الإعلام ودورها في الحراك...

وسائل الإعلام ودورها في الحراك المدني

 

ارادة الجبوري

تعد وسائل الاعلام في الديمقراطيات المستقرة من المؤسسات الرئيسة التي تسهم في جعل افراد المجتمع يستقطبون في اتجاه واضح محدد يظهر ويعزز النقاش في القضايا العامة للمجتمع، وتقديم الآراء والمواقف المتنوعة المختلفة والمتوافقة في الكثير من قضاياه الراهنة، وتشير الكثير من الدراسات الى ان العملية الديمقراطية في اهم صورها انها ديناميكية ولا تتحرك دائما في اتجاه خطي - احادي ثابت فالبلدان المتجهة نحو الديمقراطية تمر بمراحل متعددة في سعيها لان تصبح ديمقراطية مستقرة، وفي مختلف العلوم الاجتماعية يدور الجدل على حقبة - مرحلة - ما قبل الانتقالية، وهي التي تركز على الاوضاع المجتمعية تحت حكم النظام القديم، في حين ان المرحلة الانتقالية يتم التركيز فيها على اللحظة التاريخية التي لا يعد النظام القديم ممسكا بالسلطة السياسية وتصبح الامة موحدة عندما يتم قبول المثل العليا للديمقراطية والالتزام بها وتعد الديمقراطية مستقرة عندما تؤدي وظائفها على مدى فترات زمنية طويلة.

ان مثل هذا المدخل يقترح ان وسائل الاعلام تميل لتكون داعمة للديمقراطية في المراحل المبكرة والتي عادة ما تكون مبهمة بعد سقوط النظام القديم ويكون الاعلاميون شأنهم شأن المواطنين، فرحين بحرياتهم الجديدة او التي عثروا وحصلوا عليها، وفيما عملية التحول تتحرك نحو التوحد، عادة ما تمر وسائل الاعلام والجمهور بمرحلة من التهكم في مواجهة الخلافات السياسية الجديدة والضغوطات الاقتصادية الناجمة عن عمليات التحول.

وإذا ما اعتمدنا هذه السطور مدخلا لتناول وسائل الاعلام في العراق ودورها في تصنيع الوعي والتنشئة السياسية الحديثة وفي تحديث ادوار ووظائف المؤسسات الاجتماعية الاساسية التي تقوم بالتأهيل الاجتماعي والسيطرة والضبط الاجتماعيين وإعادة تشكيل وعي مختلف بالمؤسسات الاجتماعية التقليدية كالقبيلة والمؤسسات الدينية ومن ثم دورها في حركات التصحيح يتحتم علينا فحص البناء المؤسساتي لوسائل الاعلام بعد 2003 وهل كانت لها القدرة على حماية مصالح المجتمع، بأن تكون حارسا له - كما يرى (هبرماس) -حيث يتطلع الجمهور لوسائل إعلام تراقب تركيب السلطة داخل المجتمع، وتمثل مصالح المجتمع في مواجهة السلطة، وإخبار الجمهور بأية انحرافات ترتكبها السلطة؟

وسائل اعلام او ادوات دعاية؟

لكي تقوم وسائل الاعلام بأدوارها في النظام الديمقراطي المتمثل في التثقيف المدني والسياسي وتوفير مساحات كافية للقضايا المثارة في المجال العام بتقديم مختلف الافكار والأصوات والمعلومات الكافية التي من شانها الاسهام في تقويم اداء الحكومة والجماعات السياسية لا بد ان تتوافر لدى الوسائل عناصر ثلاث رئيسة تتمثل بالاستقلالية والكفاءة المهنية والتنوع والتعددية، غير ان تفحص العناصر المذكورة في وسائل الاعلام العراقية، تكشف عن محنة لا تختلف عن محنة الديمقراطية في العراق.

فبعد عام 2003 توفرت للعراقيين فرصة التعرض لمختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وإشباع حاجاتهم للمعرفة والمشاركة والترفيه بوجود اعداد لا تحصى من تلك المنابر التي اختفى الكثير منها بعد اشهر وسنوات بسبب التمويل، في حين بقي الاعلام الحكومي والإعلام الحزبي محافظا على وجوده، اذ تسيطر على الاول السلطة التنفيذية (رئاسة الوزراء والوزراء ومجالس المحافظات او الحكومات المحلية، بشكل او بآخر، والتي تستعمله للترويج للأشخاص والأحزاب والجماعات التي ينتمي اليها المسؤول في تعارض مع الدستور الذي يحرم على الحكومة المركزية او المحلية امتلاك وسائل اعلام ويسمح بتوصيل المعلومات ووجهات النظر الى الجمهور عبر البيانات والمؤتمرات الصحفية)، أما الثاني فهو تابع للأحزاب التي ظهرت بعد 2003 بكل ما تعنيه التبعية من معنى سواء على مستوى التمويل وسياسة التحرير في انتاج الرسائل الاتصالية الموجهة للجمهور وهو ما ينطبق على وسائل الاعلام المملوكة لجماعات دينية تنتمي الى بعض رجال الدين وبعض المراجع الدينية في داخل العراق او خارجه، وثمة نوع آخر من وسائل الاعلام التي واصلت حضورها في العراق ولم تسجل تراجعا في اعدادها وهي الوسائل التي تبث من العراق وتتبع في تمويلها وتوجهاتها دولا لها مصالحها وصراعاتها داخل العراق معظمها ذات صبغة دينية طائفية.

اما الاعلام المستقل فهو اقرب لان يكون نادرا في حضوره، اذ لم تصمد مشاريع الصحف الورقية ومحطات الاذاعة والتلفزيون في ظل شحة اموال وعدم وجود التمويل فانتهت تلك المشاريع او تم شراء صوتها لصالح احزاب او جهات داخلية او خارجية لها مصالحها وتستعمل تلك الوسائل للدعاية وتصفية الخصوم.

تكشف خارطة الاعلام في العراق بعد 2003 عن ماهية الاحزاب والجماعات المهيمنة على المشهد السياسي، فقدرة الوسيلة على البقاء مرهونة بقوة من يملكها او الذي تمثل مصالحه، لذا فان معظم نتاج تلك الوسائل يكون في العادة رسائل دعائية اكثر منها إعلامية كما انها لا تتورع من القيام بدور تحريضي وليس رقابيا، وهو ما تكشف عنه متابعة اولية لرسائل تلك الوسائل من اخبار وبرامج سياسية واجتماعية وفنية.

وتلقي المرجعية الثقافية والفكرية للتمويل بظلالها على استعمال الوسيلة بشكل مضاد لوظائفها الاخبارية والتثقيفية والترفيهية وتحولها من ادوات للتوعية الى ادوات تكرس الجهل والغيبيات والتحريض على العنف، وصار الافتراق واضحا بين الرسالة والوسيلة وبدل ان تكون اداة من ادوات الديمقراطية الجديدة وإعادة انتاج القيم المجتمعية للنظام، صارت مصدرا للعنف الرمزي وللتسلط وهو ما يمكن ملاحظته في مضامين معظم تلك الوسائل خاصة مع ضعف وتراجع اخلاقيات العمل وغياب الضوابط ومدونات السلوك المهني في المؤسسات الاعلامية وقصور في كفاءة عدد كبير من العاملين والعاملات في الحقل الاعلامي وغياب معايير الجودة ما يؤثر في جودة الرسائل المرسلة للجمهور.

وسائل الاعلام والحراك المدني

على غرار تجربة الديمقراطية في العراق العالقة في منطقة يصعب توصيفها العلمي بعد مرور قرابة اثني عشر عاما على المرحلة ما قبل الانتقالية، تعاني وسائل الاعلام من عدم تمكنها من دخول المرحلة الانتقالية التي تشترط قبول المثل العليا للديمقراطية والالتزام بها كي يصبح المجتمع متوحدا وهو ما انعكس على المستوى السياسي و الاعلامي، فلكي تكون وسائل الاعلام اداة لبناء الديمقراطية وجب ان يكون ذلك من اولويات من يملك اسهم تلك الوسائل والقائم على تمويلها، فبالرغم من وجود "تخمة" في الرسائل الاتصالية الموجهة للجمهور غير ان ذلك لم يسهم في ترسيخ الممارسات الديمقراطية في المجتمع وحماية جوهر التنوع والتعددية الثقافية بتمظهراتها الاجتماعية والسياسية دون الوقوع في فخ ترسيخ ثقافات فرعية او فئوية تكون عقبة امام تشكل ثقافة وطنية شاملة جوهرها المواطنة التي من دونها لا يمكن ان تتحقق ثقافة التغيير.

إن مراجعة سريعة لأداء وسائل الاعلام النافذة في العراق بعد 2003 تظهر عدم تحمله مسؤولياته الوطنية في المفترقات الحاسمة للمجتمع والبلاد معا، بخطاب يثير الكراهية ويحرض على العنف في تناغم مع الخطاب السياسي للأحزاب المهيمنة والمتصارعة في ما بينها التي وظفت وسائل الاعلام سياسيا وثقافيا بعيدا عن مصالح البلد العليا وحاجات المجتمع.

ومثلما كانت وسائل الاعلام طرفا في الصراع السياسي الذي انتج عنفا طائفيا اشتدت ضراوته بعد تفجير مرقد الاماميين في سامراء عام 2006، فان دورها لم يكن ايجابيا في نشر اشكال الاحتجاج السلمي الذي ينشد تصحيح مسار الديمقراطية التي خرجت عن مسارها الذي ينبغي ان تسير فيه.

ففي احتجاجات شباط 2011 انقسمت وسائل الاعلام عبر رسائل دعائية مشحونة عاطفيا بين معارض للاحتجاجات ومحرض ضد من يشارك فيها، وبين من استثمر الاحتجاجات للتحريض ضد شخصيات واتجاهات وأحزاب سياسية بعينها، في حين غابت وظائف الاعلام الاساسية في الاخبار بدقة وموضوعية ونقل الاراء والأفكار وتبادلها بشكل متوازن وإدارة النقاش الحر في المجتمع بين جميع القوى والتوجهات والأفكار للوصول إلى أفضل الحلول، وما احتجاجات 2011 إلا مثال على نهج وسائل الاعلام قبل هذا التاريخ وبعده في تأكيد مستمر على ضعف مهنية الوسائل وتبعيتها للممولين من داخل البلاد وخارجها، وهو ما يؤكد جدلية العلاقة بين الديمقراطية ووسائل الاعلام في البلدان حديثة العهد بالديمقراطية، والتي تعاني من خلل سياسي ينتج وسائل اعلام قاصرة، وهناك من يرى ان الخلل في الاداء الاعلامي يقود الى خلل في الاداء السياسي، فيما يرى اتجاه آخر ان العلاقة بين الاثنين تكاملية دائرية، وهو ما يفسر توجهات وسائل الاعلام اتجاه الحراك المدني في مناسبات عدة والموقف من اشكال الاحتجاجات السلمية التي عمت اجزاء كبيرة من البلاد منذ تموز 2015، ففي الوقت الذي تجاهلت فيه وسائل الاعلام التابعة للدولة - ولفترة ليست بقصيرة - التظاهرات التي انطلقت شرارتها من مدن الجنوب الى ساحة التحرير في بغداد، عملت وسائل اعلام حزبية وأخرى تنطق بلسان تمويلات إقليمية، على تشويه صورة الاحتجاجات والتشكيك بدوافع المشاركين/ات فيها والتحريض ضدهم/ن بشكل مباشر وغير مباشر، وتحول جزء ثالث من وسائل الاعلام التابعة لأحزاب وشخصيات ذات اتجاهات سياسية مناوئة للحكومة الى منصات للاحتجاج والتظاهر بشكل يتقاطع في احيان كثيرة مع جوهر الاحتجاجات وتوجهها السلمي وأهدافها في اعادة البلاد للسير على سكة الديمقراطية وحقوق الانسان بما يحقق دولة المواطنة.

ولم تتوان تلك الوسائل بأنواعها الثلاث في استغلال الفضاء الافتراضي الذي انطلقت منه الدعوة للاحتجاجات وتنسيقها وتوجيهها، وجعله بمثابة امتداد لها للترويج لتوجهاتها إزاء الاحتجاجات بإعادة نشر وبث رسائلها فيما يشبه الطوق الذي يحاصر المتلقي لسيل الرسائل الدعائية.

وإذا كانت المنظورات الايديولوجية الدينية والسياسية المهيمنة على وسائل الاعلام قد شوشت بضجيجها على صوت التنوير الثقافي الهادف الى التغيير فان ذلك يحتم البحث عن آليات تدعم الاعلام المستقل وتعمل على ترقية المهنة وتوافر معايير الجودة والمسؤولية الاخلاقية لوسائل الإعلام، وان لا يظل قدر العراقي/ة عالقا بين وسائل يتجاهل بعضها صوت الشعب او يسفه قضاياه وأساليب احتجاجاته وأخرى تتحول استوديوهاتها الى منصات للتظاهر، ومقدم البرامج فيها يخط شعارات على ظهر متظاهر امام كاميرات التلفزيون!

 

*ارادة الجبور ي..الاستاذة المساعدة في كلية الاعلام بجامعة بغداد

  • بيت الاعلام العراقي

    العنف الاسري.. تغطيات سطحية تركز على رواية الحوادث متجاهلة الاستقصاء

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره الخمسون، تغطيات وسائل الاعلام العراقية مع قضية العنف الاسري في البلاد، وكيف تناولت الملفات المرتبطة به خلال الأشهر القليلة الماضية خصوصا مع فرض إجراءات العزل وحظر التجوال سبب تفشي وباء فيروس كورونا.

  • منير طبي

    وسائل الإعلام والعنف الأسري.. إشكالية الواقع والدور

    ركز الكثير من العلماء والدارسين حول وسائل الإعلام ومضامينها المختلفة، بعد ملاحظة ما تقوم به هذه المضامين من تأثيرات مختلفة الأشكال والمستويات، ومن بين أهم تلك المضامين نجد تلك التي تقدم أو تشجع أو تساهم في انتشار العنف بكل أشكاله المعنوية والمادية، وما قد تتركه مثل هذه المضامين الإعلامية من تأثيرات سلبية على مستوى الفهم والإدراك وحتى القيم والاتجاهات، على مختلف المراحل العمرية خاصة الأطفال والمراهقين.

  • منار عزالدين/ منتظر القيسي

    ناشطات وصحفيات: وسائل الإعلام غير منصفة في قضية "العنف الاسري" و"مواقع التواصل الاجتماعي" أكثر جرأة

    اجمعت ناشطات وصحفيات على ان التغطيات الإعلامية المحلية لقضايا العنف الاسري "غير منصفٍة"، لأسباب متربطة بتوجهات وسائل الاعلام الحزبية، واصفين اغلب نتاج وسائل الاعلام بـ "الضعيف واللا مهني"، مشيرين الى ان منصات التواصل الاجتماعي أكثر جرأة في طرح ظاهرة العنف الاسري والمشاكل الاجتماعية المرتبطة بها.

  • بيت الاعلام العراقي

    اعلام داعش 2020: الدخول في السجالات العامة لزرع الانقسام المجتمعي

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره التاسع والاربعون نشاط متنامي لتنظيم داعش في العراق مؤخرا، مترافقا مع عودة نشاطه المسلح في أجزاء من البلاد منذ مطلع نيسان الحالي 2020، اذ انتشرت العشرات من الحسابات في فيسبوك وتويتر الى جانب نتاجات مرئية للتنظيم.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية