أزمة الموضوعية والحياد في تغطية الأزمات

الصفحة الرئيسية > أفكار > أزمة الموضوعية والحياد في تغطية...

أزمة الموضوعية والحياد في تغطية الأزمات

 

  محمد قيراط

في وقت تنتشر وتتكاثر فيه الأزمات بمختلف أنواعها وأشكالها وفي مختلف مناطق العالم، وفي ظروف صعبة يسودها التعتيم والتضليل والتشويه والأفكار المسبقة والصور النمطية وصراع الثقافات والحضارات والعنصرية والجهل وثقافة إقصاء الآخر والصراع المحتدم على الصورة والرأي العام، يتساءل الفرد في المجتمع عن مصداقية ما يشاهده ويسمعه ويقرأه.

أين هو الحياد والموضوعية والأخلاق في تغطية وسائل الإعلام لما يجري في مصر وفي سوريا وفي أنحاء عديدة من العالم. أين هو الصدق وأين هو التهويل؟ أين هي الحقيقة وأين هي الدعاية؟ ما هو دور الإعلام في مثل هذه الحالات؟ هل تتحول وسائل الإعلام في زمن الحروب والأزمات إلى آلات لإثارة الفتنة والتهويل والتضخيم والتسيّيس والتلاعب بدلا من تنوير وتثقيف وتوعية الرأي العام بهدف الحوار والنقاش والتفاهم وإطفاء نار الضغينة والحقد والكراهية. هل صحيح أن منطق الحرب يقوم على أن "الحرب بدون تلفزيون ليست حرب" وهل أن جوبلز على حق عندما قال "أكذب ثلاث مرات ففي المرة الثالثة ستصدق كذبتك".

نلاحظ هذه الأيام ظاهرة انتشار التضليل والتعتيم والصور النمطية والتشويه، وانتشار ظاهرة ثقافة الحقد والكراهية والخوف من الآخر والعمل على إقصائه. فالعالم اليوم يعيش صراع الصورة وصراعا شرسا على كسب الرأي العام، وهذه الصراعات مع الأسف الشديد تحدث في أحيان كثيرة بتواطؤ غير أخلاقي وغير شريف لوسائل الإعلام مع سلطة المال والسياسة. فالإعلام العربي اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بأن يتعامل بمهنية وحرفية وبأخلاق عالية مع الأزمات المختلفة سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية، ومطالب بأن يتحلى بالقيم الإسلامية السمحاء، وبنقل ثقافة الحوار والتسامح إلى الآخر والتفاعل الإيجابي معه.

فالإعلام العربي اليوم مطالب بتقديم صورة الإسلام والحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية إلى الآخر في مختلف القضايا المصيرية التي تهم البشرية ودفع جسور التواصل مع شعوب العالم والحوار مع الآخر وحوار الثقافات، فشعوب العالم اليوم في أشد الحاجة إلى الأديان السماوية التي تنادي بالوحدانية واحترام إنسانية البشر جميعا مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم والتاريخ خير شاهد على ما يحدث من مآس إنسانية حين تتغلب الطلقة على الكلمة ويفرض منطق القوة الغاشمة سطوته على حديث العقل.

يعيش عالم اليوم صراعات ونزاعات عنيفة وحروبا وأزمات عديدة ومختلفة كالإرهاب والأزمة المالية العالمية؛ أزمات تتسم كلها برهانات وانعكاسات وخيمة جدا تمس الفرد والمجتمع والدولة. فالأزمات طالت كل المجالات الحياتية وأدت إلى إعادة تشكيل العلاقات بين الأمم والدول والشعوب وفق عوامل ومعطيات يعجز الأفراد والمؤسسات وحتى الأنظمة على التحكم فيها.

كيف تتعامل وسائل الإعلام مع الأزمات المختلفة وهل أداؤها في هذه الظروف يختلف عن أدائها في الأوقات العادية؟ هل تكتفي وسائل الإعلام بتغطية الأزمة؟ أم تسعى إلى تقديم حلول لها أم أنها تسّيسها وتستغلها لتحقيق أهداف ومصالح معينة؟ هل تواجه المؤسسات الإعلامية ضغوطا معينة عندما تتعامل مع الأزمات؟ هل هناك قرارات أخلاقية يلجأ القائمون على المؤسسات الإعلامية إلى اتخاذها نظرا للرهانات والانعكاسات العديدة التي تتميز بها كل أزمة؟

فمعادلة الإرهاب والإعلام، على سبيل المثال لا الحصر، تطرح مشكلة الوطنية وحق الفرد في المعرفة وابتزاز واستغلال الإرهابيين لوسائل الإعلام للحصول على منبر يحقق لهم العلانية والحضور الإعلامي والوصول إلى الرأي العام محليا ودوليا. أين هي مصلحة الفرد والمجتمع في ظل هذه العلاقة المعقدة وهل هناك تعارض بين الابتزاز والاستغلال وحق الفرد في المعرفة؟ وهل هناك تعارض بين الحرفية والمهنية من جهة، والبحث عن السبق الصحفي والإثارة والتهويل والتضخيم من جهة أخرى؟ رهانات وتحديات عديدة تواجهها وسائل الإعلام في مثل هذه الظروف وما العمل؟ التغطية والتلاعب والبحث عن الإثارة والسبق الصحفي أم المقاطعة؟

من خلال تغطية الحروب نلاحظ أزمة النظرية الإعلامية في تفسير سلوك الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. فعلى عكس الظروف العادية والطبيعية ، تواجه التغطية في زمن الحروب والأزمات رهانات وتحديات عديدة وتصبح الممارسة الإعلامية جزءا لا يتجزأ من الحرب نفسها. ظروف الحرب إذن تفرز اختراق مبادئ الحرية والموضوعية، بحيث أن الممارسة الإعلامية خلال الحرب تختلف عنها في الظروف العادية. وفي الأخير نلاحظ انحياز المؤسسة الإعلامية في تغطيتها للحرب إلى موقف الدولة التي تنتمي إليها من الحرب.

يمكن القول إن المنظرين لممارسة الإعلام في المجتمعات المختلفة و كذلك الدارسين لعلاقة الإعلام بالسلطة والمؤسسات السياسية والاقتصادية فشلوا فشلا كبيرا في وضع معايير ومقومات لشرح سلوك المؤسسات الإعلامية والصحفيين أثناء تغطية الحروب والأزمات. فالنظريات الأربع: نظرية السلطة، نظرية الحرية، النظرية السوفيتية، نظرية المسؤولية الاجتماعية لم تتطرق إلى إشكالية علاقة الحكومة بوسائل الإعلام في زمن الحرب والأزمات، كما لم تتطرق إلى علاقة الصحفي بالسلطة في هذه الظروف. وما يمكن قوله في هذا السياق هو أن الممارسة الإعلامية في زمن الحروب والأزمات لا تختلف من نظام إعلامي إلى آخر و لا من نظام سياسي إلى آخر وتصبح متشابهة حيث يتحول الإعلام إلى مزيج من الإعلام والعلاقات العامة والحرب النفسية والدعاية والتلاعب والتضليل والتشويه سواء تعلق الأمر بالدول الديمقراطية أو الدول الديكتاتورية أو الدول المتقدمة أو الدول النامية أو غيرها من الأنظمة السياسية المتواجدة في هذا الكون. من جهة أخرى نلاحظ أن الممارسة الإعلامية في زمن السلم والظروف العادية تختلف عن زمن الحروب والأزمات خاصة إذا تعلق الأمر بالدول الديمقراطية والتي لها تقاليد في حرية الصحافة.

الملاحظ في هذه الأيام وفي ظل الأزمات والصراعات الكبيرة بين مختلف القوى سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول هو أن الخطاب الإعلامي أصبح بعيدا كل البعد عن الرسالة الشريفة للإعلام وعن الحياد والموضوعية والكلمة الحرة والصادقة. فأصبحت هناك خطابات عديدة متضاربة ومتناقضة وكأنها تتعلق بأزمات مختلفة وليست نفس الأزمة. فاختراق الأخلاق والمهنية والقيم التي تقوم عليها الصحافة الشريفة أصبح من سمات إعلام عصرنا الحاضر، الإعلام الذي فشل في المساهمة في حل الأزمات والحروب والأعمال الإرهابية بل ساهم ويساهم في التشويه والتضليل والدعاية وبث الحقد والكراهية وثقافة الإقصاء بين الشعوب والأمم. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو ما هي أهداف الإعلام وما هي رسالته في عالم يحتاج إلى السلم والأمان والتقارب بين الشعوب والحضارات والديانات وليس الحروب والأزمات.

  • بيت الاعلام العراقي

    الجيوش الالكترونية ترفع لثامها.. خطاب كراهية يهدد السلم المجتمعي

    يرصد بيت الإعلام في تقريره الاربعون تنامي ظاهرة "الجيوش الالكترونية" في العراق بعدما اصبحت شائعة على نحو لافت مؤخرا، وفي تطور خطير لم يتردد القائمون عليها في كشف خلفياتهم وداعميهم، اذ بدأت تساهم مئات الصفحات في التأثير على الراي العام بأتجاه اراء مغلوطة لا تخلو من الكراهية، ولم تقتصر على الميدان السياسي بل طاولت شخصيات عامة وافراد.

  • عماد عنان

    الأخبار الكاذبة والتضليل في الإعلام الجديد... كيف يمكن كشفهما؟

    وسط الكم الهائل من الأخبار والمعلومات التي تنشرها المواقع الإخبارية وغيرها من المنصات الرقمية، تنتشر الكثير من البيانات المغلوطة - المضللة أحياناً - التي يهدف بعضها لتحقيق غايات سياسية أو ثقافية أو اقتصادية.

  • الذباب الإلكتروني يتلاعب بالأخبار الكاذبة

    تتسع ظاهرة تلاعب الأنظمة والأحزاب بالناخبين عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير على الرأي العام واتجاهاته، كما حصل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية والاستفتاء على اتفاقية انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي (بريكست) وغيرهما. هذه الظاهرة جذبت الباحثين والمحللين الذين تنبهوا إلى مخاطرها، وسلطوا الضوء على تبعاتها.

  • التنمر الالكتروني ضد الصحفيين: عندما تطلق الجيوش الالكترونية هجماتها

    كشفت مراسلون بلا حدود في تقريرها الجديد حجم تهديد جديد يتعرّض إليه الصحافيون:التنمر الالكتروني الذي يرتكب بشكل واسع من قبل جيوش الكترونيّة سواء كانوا أفرادا معزولين أو مرتزقة يعملون لمصلحة الأنظمة الاستبداديّة.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية