"نيويورك تايمز": "داعش" ولاهوت الإغتصاب؟

الصفحة الرئيسية > أفكار > "نيويورك تايمز": "داعش" ولاهوت الإغتصاب؟...

 

علي عبد الأمير

كان الداعشي يواصل طقوس الصلاة قبل قيامه باغتصاب الفتاة الصغيرة وبعده، وهو وصف يرفضه الارهابي "المؤمن" الذي يؤكد "إنها ليست فتاة صغيرة. انها عبد. وتعرف بالضبط كيفية ممارسة الجنس"، دون ان ينسى القول ان "ممارسة الجنس معها امر يرضي الله"، انطلاقا من ذريعة تنقلها احدى الضحايا "وفقا للإسلام الذي سمح له أن يغتصب كافرة ومن خلال اغتصابي كان يقول انه يتقرب إلى الله".

هكذا تنتهي قصة مثيرة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" اخيرا، وحملت عنوان " داعش تكرس صورة لاهوتية للاغتصاب"، وعبرها تكون محنة النساء الايزيديات بخاصة، والنساء في المناطق التي استباحها التنظيم الارهابي بعامة، قد وجدت مساحة مميزة من اهتمام وسائل الاعلام الغربية باشكال العنف التي انتجها " داعش" منذ الاعلان عن وجوده العملي في سوريا العام 2013 اثر هروب المئات من قادته في عملية مريبة شهدها سجن ابو غريب، وكشفت التهتك الذي وصلته قوات الامن العراقية ومعها لم يعد سرا الانهيار التام في الموصل وصلاح الدين والانبار صيف العام التالي.

وثمة من يرى انه على اهمية هذا المنحى في التغطية الاعلامية لما ارتكبه "داعش" من أهوال وفظائع، لكن سؤالا من نوع: هل كان الاغتصاب هو اعلى مراحل تلك الفظائع، ولماذا حضرت هذه القضية بقوة دون غيرها من الانتهاكات والجرائم؟

اغتصاب "مقدس"؟

ما يلفت في القصة الاخيرة بصحيفة "نيويورك تايمز"، هو التشريح الديني والنفسي والاجتماعي لاغتصاب النساء الايزيديات من قبل عناصر "داعش"، فثمة حديث طويل عن ما يمكن وصفه الاغتصاب وفق مبررات دينية، وهي اسلامية هنا، لكن اغلب المسلمين يعترضون على مثل هذا النسق من الربط بين دينهم وتبرير الاغتصاب، انطلاقا من حقيقة ان "داعش لا يمثل الاسلام حتى وان استخدم نصوصا من القرآن والشريعة"، لا بل ان الامر يتعدى المسلمين، فيقول شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية البريطانية، توباياس إلوود:

"إننا نؤكد هنا بوضوح: تنظيم "داعش" لا يمثل الإسلام. بل إنه تنظيم تطرف يتخفى بستار الدين لينفذ أعماله الوحشية البربرية المروعة ضد المسلمين وغير المسلمين على حد سواء".

ويبدو ان لقضية الاغتصاب دون غيرها، وقعها شديد التأثير عن المتلقي الغربي، لا سيما ان ثقافته تنظر الى هذا الاعتداء بطريقة اقسى بكثير مما هي في مجتمعات شرقية واسلامية على الاغلب، انطلاقا من ثقافة سائدة تنظر الى النساء بعامة نظرة دونية، فضلا عن نظرة قاصرة الى الاغتصاب ذاته، فهو قلما يكون جريمة كبرى مثلما يندر ان يكون المعتدى عليها ضحية تستحق التعاطف والرعاية الخاصة، مثلما يبدو ان لهذه القضية تأثيرا على جانب لا يخلو من الاثارة الصحافية التي افتقدها التغطيات المتكررة لفظائع الحروب الطائفية في العراق والمنطقة.

على الجانب الاعلامي المهني، ثمة من يعتقد ان الصحافي يهتم بالحقائق على الارض كما هي حتى لو كانت صادمة وقاسية، وهو ليس معنيا بتأويل تلك الحقائق وفيما اذا كانت تعني هذا او ذاك من الجوانب الاجتماعية والفكرية حتى المقدسة منها، أي في اشارة الى الدين، لا سيما ان القصة الاخيرة للصحيفة الاميركية تفكك الطبيعة "المقدسة" للاغتصاب كما عند "داعش" وبوصفه "متوافقا مع نصوص قرآنية تعاطت مع حكم النساء غير المسلمات". لكن حتى في هذا الجانب أي "الاهتمام بالحقائق كما هي على الارض"، يحتمل صورة اخرى، فالايزيديات عشن لمئات السنين جنب المسلمين دون ان يتعرضن للاذى الرهيب الذي جاء به "داعش" بذريعة انه تطبيق للنص الديني.

بنية تحتية للفحشاء على ارض الانبياء!

ومع "لاهوت" الاغتصاب الداعشي "أنشأت بنية تحتية للمتاجرة بالنساء والفتيات الايزيديات، حيث شبكة من المستودعات التي يحتجز فيها الضحايا، يتم فيها عرضهن للبيع وتسويقهن، عبر أسطول من الباصات المخصصة لنقلهن، وصولا الى نظام بيروقراطي مفصل من العبودية الجنسية، بما في ذلك عقود البيع الموثقة من قبل المحاكم الإسلامية، ولتصبح هذه الممارسة أداة تجنيد أنشئت لجذب الرجال من المجتمعات المحافظة المسلمة، حيث ممارسة الجنس خارج الزواج من المحرمات".

وثمة من يرى انه وبعيدا عن رفض غالبية المسلمين لاضفاء "الطابع المقدس" على انتهاكات "داعش" وفظائعه، الا ان قصة "نيويورك تايمز" تضع القيم الفكرية التي جاءت كذرائع "شرعية" للتنظيم الارهابي، تحت دائرة النقاش التي، مع رفض الدخول الحقيقي اليها من قبل "غالبية المسلمين"، ستضيق وتصغر وتتحول كابوسا ثم عارا اخلاقيا سيلاحق الاجيال المسلمة الحالية التي تكتفي احيانا بالتفاخر كونها تعيش على ارض الانبياء، فيما يرى آخرون الامر على انه "مجرد مجموعات ضالة عادة ما تظهر وتختفي ويعود الجوهر الاسلامي الى حقيقته". 

انها مجرد قصة صحافية ولكنها بدت قادرة على كشف "الطابع المقدس" للعار الاخلاقي.

  • بيت الاعلام العراقي

    العنف الاسري.. تغطيات سطحية تركز على رواية الحوادث متجاهلة الاستقصاء

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره الخمسون، تغطيات وسائل الاعلام العراقية مع قضية العنف الاسري في البلاد، وكيف تناولت الملفات المرتبطة به خلال الأشهر القليلة الماضية خصوصا مع فرض إجراءات العزل وحظر التجوال سبب تفشي وباء فيروس كورونا.

  • منير طبي

    وسائل الإعلام والعنف الأسري.. إشكالية الواقع والدور

    ركز الكثير من العلماء والدارسين حول وسائل الإعلام ومضامينها المختلفة، بعد ملاحظة ما تقوم به هذه المضامين من تأثيرات مختلفة الأشكال والمستويات، ومن بين أهم تلك المضامين نجد تلك التي تقدم أو تشجع أو تساهم في انتشار العنف بكل أشكاله المعنوية والمادية، وما قد تتركه مثل هذه المضامين الإعلامية من تأثيرات سلبية على مستوى الفهم والإدراك وحتى القيم والاتجاهات، على مختلف المراحل العمرية خاصة الأطفال والمراهقين.

  • منار عزالدين/ منتظر القيسي

    ناشطات وصحفيات: وسائل الإعلام غير منصفة في قضية "العنف الاسري" و"مواقع التواصل الاجتماعي" أكثر جرأة

    اجمعت ناشطات وصحفيات على ان التغطيات الإعلامية المحلية لقضايا العنف الاسري "غير منصفٍة"، لأسباب متربطة بتوجهات وسائل الاعلام الحزبية، واصفين اغلب نتاج وسائل الاعلام بـ "الضعيف واللا مهني"، مشيرين الى ان منصات التواصل الاجتماعي أكثر جرأة في طرح ظاهرة العنف الاسري والمشاكل الاجتماعية المرتبطة بها.

  • بيت الاعلام العراقي

    اعلام داعش 2020: الدخول في السجالات العامة لزرع الانقسام المجتمعي

    يرصد "بيت الاعلام العراقي" في تقريره التاسع والاربعون نشاط متنامي لتنظيم داعش في العراق مؤخرا، مترافقا مع عودة نشاطه المسلح في أجزاء من البلاد منذ مطلع نيسان الحالي 2020، اذ انتشرت العشرات من الحسابات في فيسبوك وتويتر الى جانب نتاجات مرئية للتنظيم.

كيف تقرأ الصحف اليومية العراقية؟

  • النسخة الورقية
  • النسخة الألكترونية